العلامة المجلسي
53
بحار الأنوار
على قول المنجمين للأفول مزيد اختصاص في كونه موجبا للقدح في الإلهية انتهى . ( 1 ) أقول : يمكن إرجاع كلامه عليه السلام إلى الدليل المشهور بين المتكلمين من عدم الانفكاك عن الحوادث ، والاستدلال به على إمكانها وافتقارها إلى المؤثر ، أو إلى أنها محل للتغيرات والحوادث ، والواجب تعالى لا يكون كذلك ، أو إلى أن الأفول والغروب نقص وهو لا يجوز على الصانع ، أو إلى أن هذه الحركة الدائمة المستمرة تدل على أنها مسخرة لصانع كما مر في كتاب التوحيد ، والعقل يحكم بأن الصانع مثل هذا الخلق لا يكون مصنوعا ، أو أن الغيبة والحضور والطلوع والأفول من خواص الأجسام ويلزمها الامكان لوجوه شتى ، ولعل الوجه الثاني والثالث بتوسط ما ذكره الرازي أخيرا أظهر الوجوه ، وأما ما سواهما فلا يخفى بعدها ، ولنقتصر على ذلك فإن بسط القول في تلك البراهين يوجب الاطناب الذي عزمنا على تركه في هذا الكتاب . الخامسة . تأويل قوله تعالى : " بل فعله كبيرهم " ويمكن توجيهه بوجوه : الأول : ما ذكره السيد المرتضى قدس الله روحه وهو أن الخبر مشروط غير مطلق لأنه قال : " إن كانوا ينطقون " ومعلوم أن الأصنام لا تنطق ، وأن النطق مستحيل عليها ، فما علق بهذا المستحيل من الفعل أيضا مستحيل ، وإنما أراد إبراهيم عليه السلام بهذا القول تنبيه القوم وتوبيخهم وتعنيفهم بعبادة من لا يسمع ولا يبصر ولا ينطق ولا يقدر أن يخبر عن نفسه بشئ ، فقال : إن كانت هذه الأصنام تنطق فهي الفاعلة للتكسير ، لان من يجوز أن ينطق يجوز أن يفعل ، وإذا علم استحالة النطق عليها علم استحالة الفعل ، وعلم باستحالة الامرين أنه لا يجوز أن تكون آلهة معبودة ، وأن من عبدها ضال مضل ، ولا فرق بين قوله : إنهم فعلوا ذلك إن كانوا ينطقون وبين قوله : إنهم ما فعلوا ذلك ولا غيره لأنهم لا ينطقون ولا يقدرون ، وأما قوله : " فاسئلوهم " فإنما هو أمر بسؤالهم أيضا على شرط ، والنطق منهم شرط في الامرين فكأنه قال : إن كانوا ينطقون فاسألوهم فإنه لا يمتنع أن يكونوا فعلوه ، وهذا يجري مجرى قول أحدنا لغيره : من فعل هذا الفعل ؟ فيقول : زيد إن كان فعل كذا وكذا ، ويشير إلى فعل يضيفه السائل إلى زيد ، وليس في الحقيقة من فعله ويكون غرض المسؤول نفي الامرين عن زيد ، وتنبيه السائل على خطائه في إضافة
--> ( 1 ) مفاتيح الغيب 4 : 80 ، وفيه : للقدح في إلهيته . م